محمد جمال الدين القاسمي
420
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وإذا كان الآحاد يعرض عليهم ذلك ، فلا يحتج بهم في القطعيات . وإن عزوا ذلك إلى التواتر قلنا لهم : شرط التواتر استواء الطرفين فيه والوسط . وهو أن ينقل الجم الغفير عن الجم الغفير الذين شاهدوا المشهود به ، وهو المصلوب . وعلموا أنه هو ضرورة . فإن اختل شيء من ذلك فلا تواتر . فإن زعم النصارى أن خبرهم في قتل المسيح وصلبه بهذه الصفة ، أكذبتم نصوص أناجيلهم التي بأيديهم . إذ قال لهم نقلتها الذين دوّنوها لهم وعليها معوّلهم : إنه لما أخذ فقتل كان في شرذمة يسيرة من تلاميذه . فلما أقبل عليه هربوا بأسرهم . ولم يتبعه إلا بطرس من بعيد . ولما دخل الدار حيث اجتمعوا نظرت جارية منهم إلى بطرس فعرفته . فقالت : هذا كان مع يسوع . فحلف أنه لا يعرف يسوع بقوله . وخادعهم حتى تركوه . وذهب ولم يكد يذهب . وأن شابّا آخر تبعه وعليه إزار فتعلقوا به . فترك إزاره بأيديهم وذهب عريانا . فهؤلاء أصحابه وأتباعه ، لم يحضر منهم ولا رجل واحد بشهادة أناجيلهم . وأما أعداؤه اليهود ، الذين تزعم النصارى أنهم حضروا الأمر ، فلم يبلغوا عدد التواتر . بل كانوا آحادا وأفرادا . لأن عموم الناس الذين حضروا لا يرون إلا شخصا على خشبة ومعه لصّان مصلوبان . ولا شك أن هيئتهم وصفتهم متغيرة عن الحالة التي قبل أخذهم . وأما المشايخ ونحوهم فلم يعرفوه أيضا . ففي الأصحاح الثاني والعشرين من ( إنجيل لوقا ) ما لفظه : فلما كان النهار اجتمع مشايخ الشعب ورؤساء الكهنة وأدخلوه إلى مجمعهم . وقالوا له : إن كنت أنت المسيح فقل لنا . قال لهم : إن قلت لكم لم تؤمنوا لي . وإن سألتكم لم تجيبوني ولم تخلوني . انتهى . وهذا يحتمل أنهم يسألونه عن ذاته أو عن رسالته . على أنا لو سلمنا كثرة عددهم وصدق معرفتهم فيمكن تواطؤهم على الكذب . لأنهم لما لم يجدوه هو ، ولم يعلموا محل المسيح ، وكان ذلك من تلاميذه ، واستحلوا قتله أيضا ، أشاعوا أنه هو المسيح ليترك الناس متابعته ، ولئلا يتخذوا المسيح نبيّا . وصمموا ، أنهم إذا وجدوا المسيح بعد هذا أيضا ، يعملون به كما عملوا بصاحبه . ويؤيد هذا أنهم جعلوا على القبر حراسا لئلا ينبش القبر ويرى أنه غير المسيح . ومما يزيد الأمر وضوحا قول ( إنجيل متى ) في ( الأصحاح الثامن والعشرين ) : أن مريم لما جاءت لزيارة القبر رأت ملكا قد نزل من السماء برجّة عظيمة . فدحرج الحجر عن فم القبر . وجلس عنده . فكاد الحراس أن يموتوا من هيبته . وبادروا من فورهم إلى المشايخ فأعلموهم بالقصة . فأرشاهم المشايخ برشوة أن يستروا القصة وأن يشيعوا أن التلاميذ سرقوه ونحن نيام . فما يؤمنكم أن تكون هذه العصابة من اليهود . كما أنهم